أحمد بن محمود السيواسي
62
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
المؤمنين ، فاللام للعهد أو « 1 » ليس لأحد فيها سواكم حق فاللام للجنس ( فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ ) أي أحبوه واسألوه من اللّه بالقلب واللسان ( إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) [ 94 ] في قولكم أن الجنة لكم خاصة ، روي : أن النبي عليه السّلام قال لهم عند ذلك : « قولوا اللهم أمتنا فوالذي نفسي بيده لا يقول رجل منكم إلا غص بريقه » « 2 » ، أي يموت في مكانه ، وما بقي على وجه الأرض يهودي فأبوا عن قول ذلك فنزل « 3 » ( وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ ) أي الموت ( أَبَداً ) أي في جميع الزمان المستقبل ، وهو من المعجزات ، لأنه إخبار بالغيب ، وكان « 4 » كما أخبر به ، إذ لو تمنوا لنقل ذلك إلينا ، إذ ليس التمني من أعمال القلب ، بل هو قول باللسان ليت لي كذا ، وليت : كلمة التمني ، ومحال أن يقع التحدي بما في الضمير والقلب ، وفيه دليل على أن « لَنْ » ليس للتأبيد ، لأنهم يتمنون الموت في الآخرة ولا يتمنونه في الدنيا ( بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ) أي بسبب عملهم المعاصي وكذبهم في دعويهم وأسند الفعل إلى الأيدي ، لأن الأعمال يكون بها غالبا ( وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ) [ 95 ] فيجازيهم ، وفيه تهديد شديد لهم ، لأن علمه بهم كعلمه بغيرهم . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 96 ] وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ( 96 ) ثم أخبر تعالى « 5 » نبيه عن حال اليهود بقوله توبيخا لهم ( وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ ) أي على حياة متطاولة ، فالتنوين للنوع ، من وجد بمعنى علم المتعدي إلى مفعولين ، وهما « هم » و « أحرص » ، وهو أفعل التفضيل الذي إذا أضيف إلى متعدد هو منه لم يحتج إلى ذكر من للتفضيل كقولك : زيد أفضل الناس ، لأن المراد تفضيل الشيء على نفسه ، ولا يضاف إلى ما هو غير داخل فيه فلا يقال : زيد أفضل إخوته ، لأنه خارج عنهم وإلا لزم تفضيل الشيء على نفسه ، بل يقال زيد أفضل الإخوة ، وعليه قوله تعالى « أَحْرَصَ النَّاسِ » ، لأن اليهود من الناس ، ثم زاد في توبيخهم بقوله ( وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ) أي ولتجدن اليهود أحرص من المشركين ، وإنما أظهر فيه « من » ، لأن اليهود ليس بعض المشركين ، لأن المراد منهم المجوس ، لأن حرصهم شديد لعدم إيمانهم بالبعث لإشراكهم أو عطف على المعنى ، لأن معنى « أَحْرَصَ النَّاسِ » أحرص من الناس ، قيل : ويجوز أن يكون التقدير : وأحرص من الذين أشركوا ، حذف الثاني لدلالة الأول عليه « 6 » ، وإنما كان هؤلاء أحرص من الذين أشركوا على الحياة ، لأنهم عالمون بأنهم يعذبون بالنار لا محالة ، والمشركون لا يعلمون ، بل لا يعرفون إلا الحياة الدنيا ، لأنها جنتهم ولذلك أفرد بالذكر مع كونهم داخلين في الناس لشدة حرصهم عليها ، فكأنهم ليسوا بعضهم ، وقيل : « وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا » كلام مستأنف ، أي ومنهم ناس « 7 » ( يَوَدُّ ) أي يتمني ( أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ ) أي أن يطول عمره ( أَلْفَ سَنَةٍ ) قيل : المجوس يقولون فيما بينهم عند العطاس وغيره : عش ألف سنة « 8 » ، واليهود أحرص منهم على الحياة والتعمير ( وَما هُوَ ) أي ليس أحدهم ( بِمُزَحْزِحِهِ ) أي بمبعده ومنجيه ( مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ ) أي تعميره ، رفع فاعل « بِمُزَحْزِحِهِ » أو بدل من « هو » ، وهو عائد للتعمير ، يعني ما أحدهم ينجيه طول عمره من النار ولو عاش ألف سنة كما تمنى ( وَاللَّهُ بَصِيرٌ ) أي عالم حقيقة ( بِما يَعْمَلُونَ ) [ 96 ] بالياء غيبة « 9 » فيجازيهم بأعمالهم . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 97 ] قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ( 97 ) ( قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ ) قرئ بفتح الجيم وكسر الراء بلا همز وبفتحهما وكسر الهمزة مع الياء
--> ( 1 ) أو ، ب س : أي ، م . ( 2 ) انظر السمرقندي ، 1 / 138 . ولم أعثر عليه في كتب الأحاديث المعتبرة التي راجعتها . ( 3 ) نقله المؤلف عن السمرقندي ، 1 / 138 . ( 4 ) وكان ، ب س : فكان ، م . ( 5 ) أخبر تعالى ، ب س : أخبر اللّه تعالى ، م . ( 6 ) أخذ هذا الرأي عن الكشاف ، 1 / 82 . ( 7 ) هذا الرأي مأخوذ عن الكشاف ، 1 / 82 . ( 8 ) نقله المؤلف عن البغوي ، 1 / 123 . ( 9 ) « يعملون » : قرأ يعقوب بتاء الخطاب ، والباقون بياء الغيب . البدور الزاهرة ، 37 .